الرئيسية / مشاركات / قطر وحدود القوة الناعمة

قطر وحدود القوة الناعمة

إمارة قطر عضو مؤسس فى مجلس التعاون الخليجى الذى ظهر كمؤسسة فى سنة 1981 وهو قوة مالية ضخمة ذات تأثير متزايد فى السياسة العربية والدولية، وقد غير اسمه منذ سنوات قليلة ليصبح اتحادا. 

ولكن منذ اسبوعين سحب ثلاثة من اعضائه سفراءهم فى الدوحة، عاصمة قطر، الدولة الصغيرة ذات الطموح الكبير. على مسرح السياسة الدولية كان هناك دائما مثل هذه الكيانات الصغيرة، مثل ليختنشتين أو مونت كارلو فى أوروبا، والتى تحتفظ لنفسها بدور ما حسب قواعد الجغرافيا، وأيضا توازنات التاريخ والعلاقات مع الجيران، تقع قطر ضمن هذه الفئة من الكيانات الصغيرة، فعدد مواطنيها لا يتجاوز 250 ألف نسمة، أى أقل من عدد سكان أحد أحياء القاهرة.

فى بعض الأحيان تحاول هذه الكيانات الصغيرة أن تلعب دورا أكبر بكثير من امكاناتها المادية، معتمدة على ما يسمى (القوة الناعمة) أى تعبئة امكانات مالية أو ثقافية أو اعلامية، أى كل ما يختلف عن القوة البشرية أو العسكرية، ولكن نجاح هذه القوة الناعمة يعتمد على القوى ذات الامكانات المادية، خاصة دول الجوار، التى تقرر عدم اعاقة هذه القوة الناعمة. ولذلك تختلف قطر عن مونت كارلو مثلا، فهى حاليا فى منطقة تعج بالكثير من التطورات السياسية المتلاحقة والضاغطة، سواء كنا نتكلم عن منطقة الشرق الأوسط ككل أو منطقة الخليج العربى تحديدا ذى المركزية العالمية، بسبب البترول والغاز أولا، ثم بسبب وجود ممرات مائية عالمية مثل مضيق هرمز الذى يمر منه نحو 70% من بترول هذه المنطقة، ويزيد من هذه المركزية العالمية وجود قرى إقليمية مؤثرة، بعضها ذى حضارات قديمة وعريقة مثل إيران أو العراق، أو قوى تعتقد أن لها وضعا متميزا فى السياسة الدولية مثل السعودية كمهد للإسلام، والبناء على هذه الميزة فى تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامى.

محاولة لعب دور سياسى مؤثر يؤدى عادة إلى الصدام مع دول عالمية أو حتى إقليمية، دفعت العراق ثمنا غاليا فى هذا الصدد، من الحصار فى التسعينيات حتى الغزو فى سنة 2003 وتمر إيران بهذا الصدام أيضا مع كل من القوى الكبرى، وحتى القوى الإقليمية بسبب الموضوع النووى، ولكن أيضا بسبب تقديم نفسها كرمز للثورة الإسلامية، إذا كانت هذه اشكاليات بعض القوى الإقليمية النشيطة مثل ايران، فما بالك بالكيانات الصغيرة مثل قطر!. يبدو أن دوائر الحكم فى قطر لا تدرك أنها فى إقليم عواصف عاتية قد يعصف بها، وأنها تبالغ فى أهمية قوتها الناعمة ـ خاصة المالية ـ فى تحقيق أهدافها، وهى لا تفعل مثل مونت كارلو أو ليختنشتين التى تأخذ فى الحسبان أهمية القوة العسكرية أو المادية، خاصة عند الجيران بمعنى أوضح تبالغ قطر فى قدرة قوتها الناعمة.

وأول عناصر هذه القوة الناعمة كان تأسيس قناة الجزيرة فى منتصف التسعينيات، وهى قصة تستحق مقالا مستقلا، ولكن عناصرها الاساسية هو أن عمل هذه القناة جاء بالمصادفة بعض الشىء، وذلك بسبب أزمة مالية فى هيئة الإذاعة البريطانية BBCوالتى كانت لها مشروعات إعلامية توسعية باللغة العربية، وقامت بتأهيل عدد من شباب وشابات الإعلاميين المتميزين، ولكن مع عجز الميزانية أوقفت الإذاعة البريطانية خططها، وكان هذا من حظ قطر صاحبة الأموال النفطية الضخمة، والتى تعاقدت مع هذا الفريق الإعلامى المتميز (وأخذته على الجاهز) كما يقول المثل الشبعى، وهذا يشرح لماذا كانت قناة الجزيرة رائدة فى المجال الإعلامى الإقليمى، والذى كان يسيطر عليه الإعلام الرسمى الجامد ذى الافق المحدود والتوجهات التقليدية، بالطبع حال قناة الجزيرة الآن يختلف عن بداياتها.

غير أن قطر لم تقتصر على هذه القناة فى استغلال مواردها المالية الضخمة، فتقدم الدوحة نفسها على أنها مركز عالمى للمؤتمرات، وتمول المشاركين بسخاء بدءا من تذاكر الدرجة الأولى فى شركة الطيران القطرية، كما أنها تقدم التسهيلات الضخمة لكبرى الجامعات العالمية لإنشاء فروع لها فى الدوحة أو ما يسمى (القرية العلمية) ويتم تمويل كل هذا بسخاء. ولاشك أن أوضح الأمثلة على تطويع القدرة المالية من أجل تدعيم القوة الناعمة هو جهود قطر للفوز بتنظيم مباريات كأس العالم لكرة القدم فى سنة 2022، متفوقة بذلك على الكثيرين من منافسيها ذى القوة البشرية والمادية التى تزيد على قطر بكثير.

على حساب القوة المادية فى منطقة مليئة بالتوترات والصراعات، وهكذا أصبحت قناة الجزيرة مثلا قناة وطنية أكثر منها عربية دولية، أى تختار برامجها وتوجهاتها طبقا لما تراه الدوحة، ومنظورها الخاص، ثم قامت قطر أيضا باتخاذ مواقف سياسية واضحة فى جانب تجمعات سياسية محددة، وبالتالى أصبحت سياستها جزءا من الاستقطاب الذى يسيطر على المنطقة العربية، بل انها قامت بإيواء بعض المعارضين السياسيين ـ مثل الشيخ القرضاوى ـ الذين أصبحوا مصدر استقزاز واضح للجيران، وهكذا تواجه الدوحة تحديا كبيرا بعد قرار السعودية، والبحرين والامارات بسحب السفراء، والاستمرار فى الضغط لحصار قطر، فهل تستطيع الدوحة اعادة النظر فى معادلة القوة الناعمة فى مواجهة جيران يملكون أيضا جزءا من القوة الناعمة، وكذلك البشرية والعسكرية أيضا؟.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى