الرئيسية / ليبيا اليوم / ليبيا “رهينة” الميليشيات المسلحة

ليبيا “رهينة” الميليشيات المسلحة

رويترز

عندما قامت ميليشيا تسيطر على موانيء ليبيا الشرقية بتحميل ناقلة ترفع علم كوريا الشمالية بالنفط في وقت سابق من هذا الشهر، قرر المؤتمر الوطني العام عزل رئيس الوزراء، ولجأ إلى القوات الاميركية الخاصة لـ”إعادة الحمولة إلى ليبيا”.

وعلى مدى أيام هددت الحكومة بـ”نسف الناقلة مورنينغ غلوري، إذا غادرت الميناء الليبي”. وعندما أبحرت طاردتها ميليشيات مؤيدة للحكومة بزوارق تحمل سيارات جيب مركب عليها مدافع مضادة للطائرات ومدافع أخرى. لكن هذا المسعى لم ينجح، وعندما وصلت الناقلة إلى المياه الدولية قرر المؤتمر الوطني (البرلمان) عزل رئيس الوزراء علي زيدان، الذي فر إلى أوروبا. وبعد بضعة أيام اعتلت قوات أميركية خاصة الناقلة لوضع نهاية لهذه الكارثة. ويعد حادث الناقلة “مورنينغ غلوري” من أبرز الأمثلة حتى الان على مدى ضعف السلطة المركزية في ليبيا. فبعد ثلاث سنوات من الاطاحة بالزعيم الليبي معمر القذافي بدعم من حلف شمال الاطلسي أصبحت ليبيا تحت رحمة ألوية متنافسة من المقاتلين المدججين بالسلاح الذين حاربوا لاسقاط القذافي والآن يتحدون الدولة الجديدة علانية. ولا يكاد برلمان ليبيا يتفق على شيء، كما أن حكومتها الموقتة لا تملك جيشاً تفرض به الأمن وإرادتها، ولم يتم حتى الآن وضع دستور جديد. وفي هذا الفراغ خطف مقاتلون سابقون زيدان لفترة وجيزة من غرفته في فندق في طرابلس، واقتحموا وزارة الخارجية واستولوا على وزارة الداخلية حتى قبل المحاولة الفاشلة لتصدير النفط للخارج. ويمزح أعضاء المؤتمر الوطني قائلين إنهم يضطرون لاستخدام الانفاق السرية، التي بناها القذافي تحت العاصمة حتى يمكنهم الهرب من المسلحين. وقال زيدان من ألمانيا حيث هرب: “لا يوجد جيش. لا يوجد جيش. كنت أعتقد انه يوجد جيش لكن بعد خبرتي عرفت. لا يوجد جيش”.

وبالنسبة لكثير من الليبيين انتهت الفرحة بالحرية وحل محلها شعور بالارتباك. فانزلقت ليبيا إلى خلافات على شكل الدولة مستقبلاً يتنافس فيها قادة قوات المعارضة السابقون ومنفيون سابقون واسلاميون وزعماء قبائل إلى جانب الاتحاديين كل يسعى لتكون له الصدارة. وأصبح الخطر محدقا باستقرار البلاد وسلامة أراضيها. وذلك على خلاف تونس مهد انتفاضات الربيع العربي، والتي نجحت في تطوير انتفاضتها. وتمت الموافقة على دستور جديد في كانون الثاني (يناير)، وأخذت الأحزاب الاسلامية والعلمانية مواقف وسطية، ومن المقرر إجراء انتخابات هذا العام. أما ليبيا فما زالت تتعثر. وقال ديبلوماسي غربي: “كانت هناك فرحة غامرة صاحبت الاطاحة بالديكتاتور لم تأخذ في الاعتبار بعض حقائق الواقع الصارخة. فما هي الفكرة الدافعة للوحدة هنا”. وأضاف: “ليس الامر كأن الاطاحة بالقذافي ستعني. أن الصندوق سينفتح وستخرج منه دبي. فكل المشاكل التي تمت التغطية عليها أو التستر عليها بالرشوة أو بالقوة بدأت تطل برأسها من جديد”. خلع الضرس ويجري وزير الكهرباء علي محمد محيريق اتصالات هاتفية لحل مشكلة انقطاع الكهرباء المتكررة في طرابلس، وهو يدرك أكثر من غيره مدى صعوبة إدارة دولاب العمل من جديد في البلاد. وعاد الوزير إلى ليبيا بعد أن أمضى 30 عاماً في كندا وأصبح مسؤولاً ليس عن الكهرباء فحسب، بل إنه أمضى العام الأخير يقوم بدور الوسيط والمفاوض بين الفئات المتعددة في البلاد. وقال واصفاً محاولة اقناع المقاتلين السابقين بـ”إلقاء السلاح والتخلي عن قواعدهم”، بأن “الأمر أشبه بخلع الضرس، فهو مؤلم وصعب وتحتاج أحيانا لمخدر. فلدينا جماعات مسلحة قوية، ولحسن الحظ أو لسوئه فهم لا يتفقون مع بعضهم البعض وهو ما يبقي على استمرار هذه العملية”. وتفاوضت الحكومة مع قادة الميليشيات للتخلي عن مواقعهم، التي استولوا عليها حين حرروا طرابلس. ويعمل الجيش على ضم المزيد من المجندين، كما أن الحكومة استوعبت مقاتلين سابقين بإدراج الآلاف منهم على قوائم أجور الدولة. إلا أن كثيراً ما أسفر ذلك عن تمكين ميليشيات متنافسة وخلق خليطا من القوى الأمنية والوحدات العسكرية شبه الرسمية. فحتى إذا خرج زائر بسيارة في جولة عابرة خارج العاصمة فسيمر بنقاط تفتيش عليها حراس لا تبين ملابسهم العسكرية القديمة انتماءاتهم. ويبدو أن مجموعات الثوار السابقين والجماعات السياسية والقبائل تتمسك برؤيتها الخاصة لمستقبل البلاد أكثر من استعدادها لقبول الحلول الوسط التي يتطلبها إقامة دولة موحدة. وفي بنغازي، استولت مجموعة من قوى الامن السابقة لقطاع النفط انشقت بقائدها ابراهيم الجضران في الصيف الماضي على ثلاثة موانىء رئيسة سعيا لتحقيق قدر أكبر من الحكم الذاتي للمنطقة. كما استهدف الأمازيغ، الذين ظلوا لسنوات طويلة يشعرون أن الأغلبية العربية تضطهدهم البنية التحتية لصناعة النفط في البلاد. وأغلق مسلحون من الامازيغ حقل الشرارة النفطي الحيوي شهرين في العام الماضي للمطالبة بحقوق أكثر في الدستور الجديد. واتهمت ميليشيا إسلامية اسمها “غرفة عمليات ثوار ليبيا” بـ”خطف” رئيس الوزراء السابق زيدان وخمسة ديبلوماسيين مصريين لفترة وجيزة في طرابلس لتأمين اطلاق سراح قائدها شعبان هدية الذي ألقي القبض عليه في مصر. كما أن ميليشيات متنافسة تؤيد جماعات متنافسة في البرلمان الليبي المنقسم. اذ يقف الاسلاميون ويمثلهم حزب العدالة والبناء التابع لجماعة “الاخوان المسلمين” في مواجهة تحالف القوى الوطنية، الذي يضم أحزابا وطنية وليبرالية بقيادة مسؤول سابق من عهد القذافي. لكن أقوى مجموعتين في البلاد توجدان غرب العاصمة وأولاهما في منطقة الزنتان الجبلية والأخرى في مدينة مصراتة الساحلية. وترتبط كل منهما ارتباطا فضفاضا بجماعة سياسية مختلفة ولا تبدي أي منهما استعدادا للتخلي عن السلاح أو الاصطفاف وراء الحكومة. وقال خالد محمد، وهو من القادة العسكريين السابقين في الزنتان: “نحن نحتفظ بأسلحتنا لا لأننا نريد القضاء على الدولة بل ننتظر حتى يظهر تنظيم حقيقي”. الرؤية من الزنتان كان محمد مديراً لسوبر ماركت خلال سنوات حكم القذافي. ورفع السلاح في أوائل الانتفاضة في البداية دفاعاً عن مدينته ثم للاطاحة بالزعيم الليبي. وهذه الايام لدى محمد إحساس جديد بالغضب. ففي الزنتان المدينة الفقيرة التي يسكنها نحو 35 ألف نسمة على مسافة 140 كيلومترا غرب طرابلس يشكو محمد مثل كثيرين من سكانها أنه لم ير شيئاً يذكر من الثروة النفطية أو التنمية، التي يعتقد أن العاصمة ومدنا أخرى تتمتع بها ويتحسر على نقص الخدمات الأساسية والمدارس الجديدة والمستشفيات بل ومجرد امدادات المياه. وقال محمد: “النصر في هذه الحرب كان هبة من الله وتحقق بشجاعة أهل الزنتان. وماذا نلنا؟ لم نشهد أي تغيير. والآن نحن في حرب مختلفة حرب سياسية. لكنهم يحاربون فقط من أجل مكسب خاص لا مثل تضحياتنا”. وقال محمد الوقواق، رئيس المجلس المحلي لمدينة الزنتان: “أهل الزنتان شعروا أن من واجبهم القتال. ولم يكافأوا على هذا الواجب”. وهذا أحد الاسباب التي جعلت هذه الجماعة تتشبث بأكبر غنيمة حصلت عليها وهي سيف الاسلام نجل القذافي، الذي ألقى أهل المدينة القبض عليه ومازالوا يحتجزونه على رغم مطالب طرابلس والمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بتسليمه. ويقول قادة المجلس المحلي إن “سيف الاسلام سيظل محتجزاً في الزنتان ويحاكم فيها لانها المكان الوحيد، الذي يمكن أن يضمن أمنه”. ويقولون إن “طرابلس لا تستطيع حتى حماية رئيس الوزراء”. نموذج مصراتة على مسافة 160 كيلومتراً من الزنتان تقع مدينة مصراتة الساحلية التي ازدهرت منذ انتفاضة 2011. فشهد ميناؤها وهو أكبر المواني الليبية تفريغ عدد قياسي من الحاويات العام الماضي كما أن لديها خططا كبيرة لاقامة فنادق ومراكز تجارية ومدارس للغات الأجنبية. وعانت مصراتة بعضا من أسوأ الاشتباكات خلال الانتفاضة على القذافي. لكن بها الان عشرات المنافذ الجديدة لشركات بيع الملابس والمطاعم. وقال محمد السويح، مدير هيئة المنطقة الحرة في ميناء مصراتة وهو يعدد فرص العمل للشركات الأجنبية: “تجربة الحرب جعلت الناس يعملون معا ويساعدون بعضهم البعض”. ولدى الديبلوماسيين تفسير آخر للوضع الأمني الأفضل في مصراتة، وهو أن “وحدات عسكرية نظامية تفحص كل السيارات القادمة إلى المدينة، وهو أمر نادر في بقية أنحاء ليبيا. كذلك فإن رجال الاعمال في مصراتة يدفعون للمقاتلين السابقين نظير توفير الأمن”. وأهل مصراتة مقتنعون أن مدينتهم يمكن أن تكون نموذجا لليبيا كلها. وقال بشير الطرابلسي، رئيس المجلس الليبي لرجال الأعمال: “نحن في مصراتة بدأنا في يوليو (تموز) 2011 خطة للتنمية الصناعية المستقبلية. أما في بنغازي فانتهت الثورة في ثلاثة أيام لكنهم لم يخططوا لشيء لفترة طويلة”. وتمثل قوات مصراتة الجانب الأكبر من درع ليبيا وهي القوة المسلحة شبه الرسمية التي أنشأها البرلمان الانتقالي لحماية طرابلس من عودة القوات الموالية للقذافي للظهور. وعلى رغم أن كثيرين يعتبرون قوة الدرع ذات ميول اسلامية فهي العمود الفقري المحتمل لجيش المستقبل. كما أنها تمثل ثقلا موازيا لألوية الزنتان. مهمة صعبة وأحد الأسباب الرئيسية التي جعلت ليبيا تفشل في جمع شتات نفسها بعد الانتفاضة هو الغياب شبه الكامل لمؤسسات قوية للدولة. إذ كان أول حاكم لليبيا الحديثة هو الملك إدريس، الذي كان منكفئاً على الداخل وبقي معظم حكمه في شرق البلاد. وتلاه القذافي الذي شكل البلاد على الصورة التي استهوته. وتجنب الاثنان إنشاء مؤسسات للدولة وأجهزة محاسبة المسؤولين واعتمدا بدلاً من ذلك على القبائل وسخاء الدولة والوظائف في شركات النفط العالمية. وساهم ذلك في شراء ولاء الاتباع وخفف من التوترات الاجتماعية. إلا أنه في حين تضخم عدد العاملين في الدولة ليصل إلى نحو 1.2 مليون ليبي أي نحو 20 في المئة من السكان يعملون بالحكومة والقطاع العام لقيت المؤسسات الاهمال. وقال علي محمد سالم، نائب محافظ البنك المركزي: “كل شخص يبحث عن مصلحته ولا يعمل كشعب”. وقدر أن إقامة دولة تتمتع بالكفاءة سيستغرق خمس سنوات على الاقل. وسعت الامم المتحدة والحكومات الغربية الى “اقناع الجماعات المختلفة في ليبيا باستمرار المرحلة الانتقالية ماضية في طريقها”. وتم اختيار لجنة لبدء كتابة الدستور ووافق البرلمان على اجراء الانتخابات في أقرب فرصة ممكنة. وقال ديبلوماسي غربي آخر: “من الضروري أن يتوصلوا إلى نوع من التوافق الوطني على الشكل الذي يريدون أن تكون البلاد عليه. ما أسهل القول وما أصعب الفعل. ولانجاز ذلك يحتاجون لزعامة سياسية”. ويجري تدريب الجيش بمساعدة أميركية وبريطانية وايطالية وتركية. لكن غالبية برامج التدريب مازالت في بداياتها. وقال شعبان هدية، قائد المجموعة، التي قيل إنها خطفت زيدان والديبلوماسيين المصريين إن جماعته تعمل في واقع الأمر على حفظ الأمن. وقال: “نحن الآن البديل حتى يتم انشاء الجيش والشرطة. البلد يعيش الآن في مستنقع وذلك لأن حكومتنا ضعيفة”. وبالنسبة لوزير الكهرباء محيريق، فإن التقدم بطيء لكنه مستمر. وقال: “الطريق طويل قبل أن يدرك الليبيون أهمية بناء الديمقراطية وبناء دولة وأن استخدام السلاح لم يعد خيارا مطروحا”. الشهور الثلاثة إلى الخمسة المقبلة حرجة للغاية بالنسبة لليبيا وستحدد مسار الدولة”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى