الرئيسية / ليبيا اليوم / بريطانيا وحربها السرية فى ليبيا

بريطانيا وحربها السرية فى ليبيا

جاء إعلان فرنسا نبأ مقتل ثلاثة عسكريين فرنسيين فى ليبيا فى أثناء إحدى العمليات السرية يوم الأربعاء 20 يوليو 2016 كمحفز لفتح ملف عمل القوات الأجنبية المقاتلة التى تعمل سرا فوق الأراضى الليبية منذ شهور فى ظل حالة اضطراب وانقسام حاد تمر بها الدولة الغنية بالثروات النفطية.

وكان من أبرز الملفات التى تم فتحها ذلك المتعلق بالوجود البريطانى السرى المسلح فوق الأراضى الليبية والذى تم الكشف عنه منذ شهور وسط غموض يحيط بطبيعته وأهدافه الحقيقية حتى اليوم.

فقد شهد شهر مايو الماضى مطالبة رئيس لجنة الشئون الخارجية بمجلس العموم (البرلمان) البريطانى الحكومة بتقديم توضيحات بشأن وجود قوات خاصة فى ليبيا. وجاء هذا بعدما نشرت الصحافة البريطانية روايات شهود عيان عن تقديم قوات بريطانية خاصة المساعدة لمسلحين ليبيين فى وقف تقدم مسلحى تنظيم»داعش». وأشارت التقارير الصحفية وقتها إلى أن القوات الخاصة البريطانية أطلقت صواريخ لإحباط هجوم انتحارى لتنظيم «داعش» باستخدام شاحنة ملغومة بالقرب من مدينة مصراتة الليبية.

وقتها قالت مصادر لوسائل الإعلام البريطانية إن عددا صغيرا من القوات الخاصة البريطانية يعمل فى ليبيا منذ أكثر من عام. ولكن الحكومة البريطانية نفت أى وجود عسكرى على الأرض فى ليبيا. وتمتنع وزارة الدفاع البريطانية عن التعليق على شئون القوات الخاصة.

وقتها قال رئيس لجنة الشئون الخارجية، اللورد كريسبن بلانت، أن عمل القوات الخاصة فى ليبيا أمر غير مفاجئ، ودعا إلى «محاسبة ملائمة» للاستراتيجية البريطانية فى ليبيا. وعلق بقوله : «لابد من توضيح سبب إشتراك القوات الخاصة البريطانية فى هذه الاستراتيجية وما الدور المتوقع منهم أن يلعبوه». وكانت المعلومات المتاحة عن الدور البريطانى فى ليبيا حتى ذلك الوقت تتمثل فى تصريح متحدث باسم وزارة الخارجية بأن بريطانيا تركز على تدريب قوات الأمن الليبية لتوفير الأمن لحكومة الوحدة الجديدة، نافيا وجود خطط لنشر قوات على الأرض.

الحرب السرية

لم يستمر الغموض طويلا فما لبثت ان جاءت تسريبات ليبية من مصراتة تشير إلى أن وحدات ليبية تعمل بالتنسيق مع القوات البريطانية والأمريكية، وتحظى بمساعدتها في مهمات قتالية.

وتداولت الصحافة البريطانية فى شهر يونيو الماضى تقريرا عن مشاركة قوات أمريكية وبريطانية فى مساعدة قوات حكومة الوفاق فى مهاجمة تنظيم «داعش» فى مدينة سرت ومحاصرة مقاتليه فى عدة أحياء، باستخدام تكنولوجيا متطورة. كما تمت الإستعانة بالقوارب السريعة وتنسيق الهجمات ضد تنظيم «داعش» من البر والبحر والجو، انطلاقا من قواعد فى قبرص ومالطا ومدينة مصراتة.

وقال رئيس الوزراء البريطانى السابق ديفيد كاميرون أمام قمة الدول الصناعية السبع فى اليابان أن على العالم التحرك لدعم حكومة الوفاق فى السيطرة على ليبيا، التى يهدد عدم إستقرارها العالم أجمع، مضيفا أن بلاده على استعداد للقيام بدور قيادى فى مساعدة الحكومة الليبية المدعومة من قبل المجتمع الدولى فى التصدى للتهريب والهجرة فور حصوله على تفويض من مجلس الأمن الدولى. وقد بدا أن هناك تعارضا واضحا فى الروايات الليبية مع الموقف البريطانى الرسمى، والذى يؤكد أن القوات البريطانية لن تشارك فى أي عمليات قتالية ضد تنظيم «داعش» بل سيقتصر دورها على تدريب القوات الليبية فقط. وفى بداية شهر يوليو أعلنت صحيفة «ذا صن» البريطانية، مقتل 3 بريطانيين من تنظيم «داعش» فى ليبيا، على يد قوات خاصة بريطانية فى يونيو عقب معركة قرب سرت.

وعقب الكشف عن الدور الفرنسى أبرزت وسائل إعلام ليبية دور القوات البريطانية الخاصة الموجودة فى ليبيا، إذ نقلت عن مصادر ليبية أن القوات البريطانية الخاصة الموجودة فى ليبيا دعمتهم خلال معارك ضد تنظيم «داعش» فى مدينة سرت، وقاتلوا وساعدوا فى إدارة المعارك عند خطوط المواجهة، إلى جانب تقديم معلومات مخابراتية ومراقبة من قاعدة لهم فى مدينة مصراتة. وأن الجنود البريطانيين ساعدوا فى تدمير مركبات «داعش» القتالية والتى تعرف باسم «دوجما» بقذائف خاصة تخترق أجسام المدرعات وتتسبب فى انفجارها.

وقال أحد الجنود: «عادة لا يتواجد البريطانيون بصفة دائمة لكن نراهم كل بضعة أيام»، وأكد الليبيون أن القوات البريطانية، وفرت مساعدات ومعدات طبية للقوات الليبية.

وأكدت مصادر ليبية لوسائل الأنباء العالمية أن عسكريين أمريكيين وبريطانيين وفرنسيين فى قاعدة «بنينا» فى بنغازى يعملون على مراقبة تحركات تنظيم «داعش» فى ليبيا. وتم تقدير أعداد هؤلاء العسكريين بـ»نحو 20 عنصرا» تتلخص مهمتهم بـ»مراقبة تحركات تنظيم داعش وكيفية تخزينه للذخائر»وتم التأكيد على وجود «مجموعات عسكرية أجنبية أخرى تقوم بالعمل ذاته فى قواعد بأنحاء متفرقة من ليبيا وفى مدن من بينها طبرق ومصراتة وطرابلس.

وقد تداول موقع «ميدل إيست آى» البريطانى تسجيلات لعمليات جوية ولطيارين فى غرف القيادة. وظهر صوت طيار بريطانى بوضوح فى أحد التسجيلات، وعلق البريطانيون بأن : «سلاحهم الجوى يقوم من حين لآخر بتسهيل زيارات لمستشارين فى المجالين الدبلوماسى والعسكرى إلى ليبيا».

سياسة مزدوجة

وعقب الكشف عن الوجود الفرنسى فى ليبيا أكد مصدر فرنسى لصحيفة «لوموند» الفرنسية أن الفرنسيين ليسوا وحدهم..، وأن عناصر أمريكية وبريطانية موجودة فى مصراتة. وتم التأكيد على أن باريس مثلها مثل واشنطن أرسلت عناصر خاصة إلى ليبيا لمعرفة ما يجرى على الأرض، ..وأن أفراد القوات الخاصة البريطانية يعملون فى البلاد أيضا. ورأت صحيفة «لوموند» أن الحضور الأجنبى فى ليبيا يسهم فى دحر «داعش»، ولكنه يتسبب فى الوقت نفسه فى نشوب حالة استقطاب بين أطراف الأزمة الليبية، وقد يسهم تحديدا فى تعميق الهوة بين الأطراف الليبية إلى درجة قد تصل إلى حد نشوب مواجهات!، وتلتزم الأوساط الأوروبية الحذر التام والغموض حول حقيقة الانتشار الأمنى أو العسكرى الأوروبى والغربى فى ليبيا وطبيعته، ولكنها تستغل النشاط الدولى ضد تنظيم «داعش» كمظلة لتبرير ما تقوم به من عمليات على أنها أدوار ضمن الحرب المعلنة من قبل الكثير من الأطراف، وبشكل رسمى ضد تنظيم «داعش» والمجموعات التى تدور فى فلكه! لقد كشفت ردود الفعل الرسمية والجماهيرية فى ليبيا عن حالة من التناقض، التى فجرها الاعتراف الفرنسى بوجود قوات لباريس تعمل فى بنغازى، خاصة مع إعلان قوات الفريق خليفة حفتر، أن القتلى هم «مستشارون عسكريون» لها. وتشير الدلائل إلى أن القوات الفرنسية تتعاون مع قوات موالية لحفتر. وهناك عدم إندماج بين حفتر وحكومة الوفاق الوطنى الليبية، التى تعمل فى طرابلس، والتى تحظى أيضا فى الوقت نفسه بدعم فرنسا وعدة دول غربية، ويرى المحللون أن التناقض يكمن فى تقديم مساعدة عسكرية لطرف يناهض الحكومة ثم دعم هذه الحكومة والإعتراف بها دبلوماسيا على الجانب الآخر!. وتوجد حالة من التباطؤ من قبل الدول الكبرى فى تنفيذ ما تم الإتفاق عليه فى فيينا يوم 16 مايو2016 لدعم حكومة الوحدة الوطنية الليبية، حيث أكدت استعدادها لرفع حظر تصدير الأسلحة عن ليبيا جزئيا.

وهكذا يبدو من الواضح أن إستمرار الإنقسام على الساحة الليبية بين الأطراف الوطنية الليبية الرئيسية فى البلاد يمثل «بوابة ذهبية» لتدخلات وتحركات الدول الغربية والأجنبية التى فجرت الوضع فى ليبيا عام 2011 وتسعى إلى العودة مجددا لضمان «مصالحها الخاصة» فى البلاد والمنطقة خلال المرحلة القادمة بغض النظر عن مصالح الشعب الليبى صاحب الأرض.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى